الإمام الأعظم

المبدأ

لطالما كان في تاريخنا -كما اليوم- أناس يقدّسون و يعبدون الأشخاص. و إنّ تطوّر الفكر الإسلامي لم يكن إلا على يد أناس أحرار عاشوا في سبيل الفكرة، و لم تمنعهم “الضجة” الفكرية و العقدية و الفقهية من الخروج بمنهج سليم كما يخرج اللبن… من هؤلاء كان أبو حنيفة النّعمان، الإمام الأعظم، الذي وصفه الجُهلاء بالزنديق الضال الفاسق الفارسي!

هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي المولود في مدينة الكوفة في العراق، مؤسّس الفقه الحنفي و أوّل الأئمة الأربعة -رضي الله عنهم- لدى المسلمين السُنّة. وُلد عام 80 هجرية و توفي عام 150 هـ. عاصر بعض صحابة النبي عليه الصلاة و السلام و رأى منهم أنس بن مالك، فأصبح تابعيّا [1] . أبو حنيفة مؤسّس المذهب الحنفي الأكثر إنتشارا في البلدان الإسلامية [2] .

تعريف كلمة إمام

تُعرّف كلمة إمام وفق المعجم الوسيط [3] : من يأتمّ به الناس من رئيس أو غيره، و منه إمام الصلاة، و الخليفة، و قائد الجند، و القرآن للمسلمين (و كل شيء أحصيناه في إمام مبين)، و الدليل للمسافرين، و الحادي للإبل، و القدر الذي يتعلمه التلميذ كل يوم في المدرسة (يُقال حفظ الصبي إمامه)، و الطريق الواسع الواضح ..

أما الإمامة فهي: رياسة المسلمين و منصب الإمام.

و الإماميّة: نسبة إلى الإمام أو الإمامة، و فرقة من الشيعة تقول بإمامة علي بن أبي طالب و أولاده دون غيرهم.

حياته

إذا نظرت في حياة أبو حنيفة سترى في شخصيّته الإنفتاح و المبادرة و المرونة و الصبر و الذكاء. كان غنيّا جدا، حسن المظهر، أنيقا يلبس أفخر الثياب و في الوقت نفسه سخيّا جدا مع الفقراء، الذين كانوا أعز الناس في حلقات دروسه. قيل بأن الزكاة لم تجب عليه يوما رغم أن دخله السنوي تعدّى 200 ألف درهم.

أبو حنيفة كان من المَوَالي، أي أنه ليس عربيّ الأصل (هذه “لطشة” لمن يطبّل لفوز أوباما)، بل فارسيّ الأصل، و لم يجد الناس حرجا في أن يكون إمامهم!

أصبح أبو حنيفة في شبابه “بيزنس مان” من الطراز الأول بعد أن تعلّم علم السوق. كان أبوه تاجر قماش، انضم إليه أبو حنيفة فكان له الفضل في تطوير تجارة أبيه فصار لديه واحد من أهم محلات الحرير في الكوفة.

عاش أبو حنيفة 70 سنة، منها 52 سنة في العصر الأموي و 18 سنة في العصر العباسي. عُرض عليه تولّي منصب قاضي القُضاة في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور [4] فرفض، و تولى تلميذه أبو يوسف منصب قاضي القضاة على العالم الإسلامي في عهد الخليفة هارون الرشيد. تجدر الإشارة أن كثيرا من آراء أبو يوسف الفقهيّة إختلفت عن رأي أستاذه أبو حنيفة. هل يعني هذا لكم شيئا؟

أساتذته

أبو حنيفة رجل نذر نفسه للعلم. حفظ القرآن و روى الحديث و درس اللغة و الأدب و تعلّم علم الكلام ثم انصرف إلى تعلّم الفقه. قرّر أن يتعلّم الفقه على يد مجموعة من العلماء أهمّهم و أشهرهم حَمّاد بن أبي سليمان الذي لازمه أبو حنيفة قرابة 18 عاما لحين وفاته، و كان أبو حنيفة يحبّه كثيرا لدرجة أنه سمّى إبنه (حمّاد) إعتزازاً بشيخه.

تتلمذ أبو حنيفة أيضا على يد جعفر الصادق [5] ، الإمام السادس لدى الشيعة الإماميّة. بلغ عدد العلماء الذين أخذ عنهم أبو حنيفة العلم أكثر من سبعين عالماً.

العابد، الفطن، المنطقي

1- عندما رفض أبو حنيفة تولي منصب قاضي القضاة متحجّجا بأنه لا يصلح لهذا المنصب، ثار الخليفة المنصور عليه و قال: ”كذبت” فردّ أبو حنيفة فيما معناه: شهدْتَ يا أمير المؤمنين، كيف تُولّي القضاء كاذب … ؟!

ضُرب و جُلد لليال طويلة، و سُجن، و صدر قرار بمنعه من الإفتاء، و هو يردد: أنا لا أقبل القضاء، أنا حُر. رفضه للمنصب سببه عدم إستقلالية القضاء، و كونه صاحب مبدأ، لم يُرد أن يزجّ بنفسه في مكان يُصبح فيه مسيّرا. رغم هذا، لم ينتقم أبو حنيفة لنفسه، و لم يسعى لتقليب الناس على أمير المؤمنين.

2- أراد أبو العباس الطوسي -رئيس الشرطة عند الخليفة المنصور- أن يوقع بأبو حنيفة، فسأله مرّة في مجلس كان يحضره المنصور: “يا أبا حنيفة، أمير المؤمنين يبدو له رأي في إنسان فيقول لنا، دون أن ندري لماذا، أقتُل فلان. أأقتله و أطيعُ أمير المؤمنين أم أعصي أمير المؤمنين؟”

أبو حنيفة الذي كان يعرف بأن كلام الرجل فيه الكثير من الصحّة، ردّ بحكمة بالغة: “يا أبا العبّاس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟” قال أبو العباس: “يأمر بالحق.” قال: “إفعل الحق و لا تسأل!”

3- كان أبو حنيفة يُسمّى الوتد لكثرة صلاته، واشتُهر عنه أنه كان يُحيي الليل صلاة و دعاء و تضرعا.

المرونة و المبادرة 

1- أول من تكلّم في ترجمة معاني القرآن هو أبو حنيفة، و قد هوجم على هذا الرأي هجوما شديدا!

2- هو صاحب أو مشكّل “مدرسة العراق” أو “مدرسة الرأي” الفقهيّة التي دامت لثلاثين سنة، و ضمّت 40 من أهم العلماء من جميع التخصّصات لمناقشة أمور الفقه و مسائل الناس. الغريب أن هذه المدرسة خرجت منها آراء فقهية كانت مخالفة لرأي أبو حنيفة الشخصي، و لم يُعارضها! يطول الكلام كثيرا حول هذه المدرسة، و سينبهر الجميع من مستوى الرقيّ التي اتّسمت به.

3- هو مُبتكر “الفقه التقديري” المبني على الإفتاء بمسائل قد تحدث في المستقبل، و لقد وصل عدد المسائل الإفتراضية التي أفتى بها حوالي 20 ألف مسألة!

4- لم يكن أبو حنيفة يجد حرجا في تعديل آراءه الفقهية إذا وجد آراء أخرى أصح. كان يعوّد تلاميذه أن يقولوا له “أخطأت يا أبو حنيفة” إذا خالفوه الرأي. و عندما سُئل كيف تقبل هذا؟ قال: قبلَهَا عُمر و هو على المنبر من امرأة.

5- اتُّهم أبو حنيفة بأنه إمام عقلاني يقدّم رأيه على رأي النبي عليه الصلاة و السلام *&$@!

6- كان يقول: ” إن الخلافة لا تورث، ولا تكون بالوصاية، ولا تفرض على الناس بالإكراه، ولا بدّ من البيعة، وأن تكون حرة بالاختيار، وله في هذا الأمر قول مأثور: “الخلافة تكون باجتماع المؤمنين ومشورتهم”.

ختامها مسك

1- يقول الإمام مالك (ثاني الأئمة الأربعة): و الله هذا الرجل -أبو حنيفة- لو أراد أن يُقنعك أن هذا العمود -الخشب- ذهباً لأقنعك بحُجّته!

2- قال الإمام الشافعي (ثالث الأئمة الأربعة): ما علمتُ أن في الأرض أفقه من أبو حنيفة.

3- قال أبو حنيفة: قولنا هذا رأي، و هو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا.

4- يقول العلماء: وجب على كل مسلم من أهل القِبلة أن يدعُوَ لأبو حنيفة، لأنه حَمَل إلينا الفقه الإسلامي إلى اليوم.

أكتفي بهذا يا سادتي. أود أن أنهي بالقول بأنني لا أتبع لمذهب معيّن. أترك لكم خيار التعقيب و الإضافة على ما كتبت. تدوينة واحدة لن تكفي … أتمنى أن تشيروا إلى الأخطاء في حال ورودها في التدوينة :]

__________
  1. التابعي: من لقي الصحابة مُؤمنا بالنبي عليه الصلاة و السلام و مات على الإسلام. []
  2. العراق و مصر و باكستان و أفغانستان و الهند و أندونيسيا و بلاد الشام … []
  3. المؤلف: إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار. تحقيق: مجمع اللغة العربية []
  4. ثاني الخلفاء العباسيين و باني بغداد و مؤسس “بيت الحكمة” في قصر الخلافة في بغداد و الذي أشرف عليه بنفسه ليكون السبب في ثورة علمية رهيبة ترجم فيها المسلمون كتب اليونان في الطب و الهندسة و الحساب و الفلك و الفلسفة. []
  5. المصدر: في المدينة المنورة كان مولد جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي في 8 من رمضان 83 هـ، وكانت المدينة موئل العترة من آل البيت، وفي وسط هذه الأجواء المعبقة بأريج النبوة نشأ جعفر الصادق نشأة كريمة في بيت علم ودين، وأخذ العلم عن أبيه محمد الباقر، و جده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، المتوفى سنة (108هـ= 725م) أحد فقهاء المدينة السبعة المشهود لهم بسعة العلم والفقه. []

19 تعليقات

  1. محمد يوسف الجزائر says:

    بسم الله الرحمن الرحيم وبعد
    أشكرك أخي هذه النبذة عن حياة الإمام الأعظم أبوحنيفة والذي ما ناظرا عالما إلا وأثبت حجته وقبل قوله ورأيه وله وصايا رائعة لتلميذه تتعلق بمعاملة الناس والسلطان وكيفية مخالطة النساء وغيرها من الآداب العامة للمسلم

  2. طيف says:

    مخالفة ابو يوسف لشيخة انما هو تدليل الى ما ذهبت اليه ايها العزيز ويظهر لنا كم كان همهم الأول العلم والمعرفة وليس تقديس الأشخاص الذى اطاح بالاجتهاد وقضى عليه نتيجة للتعصب لاراء الرجال .
    :flower:

  3. mohsen says:

    راسلني يا عوني, لدي رجل مثلك يحب العقل ويحبه….

  4. ROSA DAMASINA says:

    :pro:
    الإمام الأعظم و صاحب مدرسة الرأي و نعم الرأي طرحك لإمام بقدر أبي حنيفة في هذه التدوينة و باسلوبك الهادىء الذي شدني رغم معرفتي بسيرته العطره و كاني اقرأ لأول مرة عنه
    و اعجبني عبارة قلتها يا سيد عوني هذه /لطشة لكل من يطبل لفوز أوباما/
    أحب ان أوجه من خلال هذه التدوينة الرائعة لأمامنا الأعظم كلمة لأئمة هذا الزمان
    لا فرق بين عربي و اعجمي إلا بالتقوى
    صلاح الدين لم يكن عربيا أين أنت يا صلاح الدين لترى ماذا فعلو بقدسك
    محمد الفاتح العثماني لم يكن عربيا لكنه نقل اوربا من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة عندما جعل إسلام بول حاضرة لكل المسلمين
    فلا تفخرو كثيرا بعروبة اوباما و ما خفي أعظم
    و في النهاية احب ان أقول ما اجمل الحرية لكن هل نحن احرار :cry:

  5. abdullah says:

    اخي عوني جزاك الله كل خير ، ورحم الله الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان ورحم الائمة الاربعة ،،،

  6. كلامك جميل للغاية يا عوني
    وقد فهمت لماذا قال لي أحدهم بأني لو عشت في عهد ابو حنيفة فسأكون من أتباع مدرسة الرأي :grin:
    أرجو منك أن تستمر بهذه السلسلة مع الشافعي ومالك وأحمد… نريد أن نسمع سيرهم منك بهذا الأسلوب.

  7. كل عام وأنت بخير :) :wink:

  8. اقصوصه says:

    جميله جدا التدوينه

    استمتعت بقرائتها

    جزاك الله خير على الطرح المميز

    دمت بود :)

  9. ريـم says:

    سيرة رائعة لهذا الرجل ..
    شكراً عوني استفدت الكثيرمن هذه التدوينة :flower:

  10. Dantil says:

    :

    أحب اتجاهكَ ياعوني جداً
    عرفتُ هُنَا الكثير
    دُمتَ فِكْراً نَيَّراً .., :flower:

  11. يعني نادرا ما أدخل إلا هنا و أخرج دون فائدة …
    لم أكن أعرف الكثير عن أبو حنيفة .. لكن كنت أعرف أن إختلاف الأئمة رحمة ..
    جزيل الشكر على مجهودك الدائم أخي ..
    دمت سالما

  12. عوني says:

    @ هادي: أهلا بك يا صديقي. لابد و أن لديك ملاحظات، فأتمنى أن تضيفها. كل الآراء هنا مقبولة و يتم مناقشتها.

    @ العمساوي: كلام جميل، أشكرك يا عزيزي. يبقى أن نعرف الصادق المخلص من المداهن “المصلحجي” من العلماء. العالم الحقيقي هو العالم الحر.

    @ إحسان: ماذا عن توم و جيري و دونالد داك و طرزان و باقي المشاهير.. :|

    @ Okbah: في الصميم! :)
    كلامك يا صديقي يضرب على ذات الوتر الذي لعبتُ عليه في التدوينة. و لاشك بأنك إسكتشفت لماذا لوّنت كلمة “أنا حر” بالأحمر. بإختصار، هذا كان هدف كتابتي للتدوينة، التي لا تدعو للمذهبية، و إنما للحرية!

    @ ناجي بسيوني: لدينا الكثير و الكثير من الشخصيات الرائعة في تاريخنا و التي قلّما نجد مثيلا لها اليوم، ذلك لأن كل الكثيرين يقتطعون من التاريخ ما يستهويهم و يحكموا على الباقي بالإعدام! سأبقى أتكلم إن شاء الله على شخصيات تاريخنا العظيمة ما دام لي يد حرة، و الله الموفق.

    @ مدونة حمادي: آمين. شكرا على الزيارة.

    @ محمد max13: كيف حالك يا صديق؟ لستُ من القلة، و الحديث عن تاريخنا ليس حكرا على أحد :)

  13. جزاك الله خيرا وبارك الله فيك على هذي التدوينة المميزة كفاك شرفا بأنك من القلة الذي يدعون إلى جادة الصواب وطريق الخير وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديت اهتديت ” فإني أفخر بأنك أعدت لذاكرة البعض هذي النفحات الطيبة من شذى السلف الصالح والأئمة الأخيار دمت زخرا لنا أخي عوني وأثابك الله

  14. رحم الله الامام ابو حنيفة

  15. ناجى بسيونى says:

    بارك الله فيك يأخ عونى وجزاك الله عنا خيرا فما أحوج المسلمين بالتذكير وسرد سيّر الأولين وهو تاريخنا الذى ضلالنا عنه فماتت القلوب وانهزمت النفوس وأصبحنا بجهلنا بهؤلاء بدون رموز فبارك الله فيك وفى كل مسلم يحي سيرة رمز من رموز الإسلام ….
    وباركالله فى الإمام أبى حنيفة وجزاه الله عن أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كل الخير

  16. Okbah says:

    أخي عوني.. كتبت وأبدعت.. وأوجزت فبلغت..
    للأسف بعض الدول التي تدعي الإسلام وتطبيق الشرع تشنع على هذا الإمام العظيم وتمنع بيع كتبه وتحارب أتباع مذهبه..
    أمر آخر لفت نظري هنا وهو استقلالية العالم عن السلطان مظن صلاح وورع ومصداقية له بين الناس.. أبو جعفر المنصور أفضل من حكامنا اليوم بألف مرة..فماذا نقول اليوم عن بعض من العلماء الكبار ممن إلتصقوا بالحاكم وأصبحوا من بطانته جهرا وسرا يبررون له ويشرعنون له طريقه رغم أن أول ذنوبه هو اغتصاب السلطة ولن أتحدث عن الظلم والفساد والطغيان..
    أدرك أبو حنيفة أن إستقلاليته هي بإستقلالية ماله عن مال الدولة فكانت التجارة التي حفظت له كرامته وعقله ورأيه..
    دمت بخير أخي عوني

  17. إحسان says:

    تدوينة مميزة :)
    للأسف ، نعرف ” ميكي ماوس ” أكثر ممَّا نعرف أبي حنيفة ..!

  18. بارك الله فيك على هذا المقال

    ووجب على كل مسلم يحب الله ورسوله أن يحب أهل العلم ويقدرهم ويبجلهم لأن العلماء ورثة الأنبياء

  19. هادي says:

    مشكور اخي عوني

أكتب تعليقا