سأحكي في هذه المقالة عن تجربة العيش في كندا بعد عام من الإقامة فيها. قد تختلف تجربتي عن التجارب الأخرى، فالصعوبات التي يواجهها القادمون الجدد تختلف درجتها باختلاف العوامل و الظروف. سأحاول التركيز على “الصورة الكبرى” للحياة في كندا، و أقارنها بشكل غير مباشر بتجربة العيش في لبنان و الإمارات. لمعرفة كيفية الهجرة إلى كندا يرجى الإطلاع على هذه المقالة التي نشرتها قبل سنتين. ستجدون كل المعلومات المحدّثة فيها.

الإنسان أوّلا

كندا بلد متنوع الثقافات والأجناس و يعتمد بشكل كبير على استقدام المهاجرين لدعم الإقتصاد الكندي و بثّ الحياة المتجدّدة فيه. هذا يعني أن الإنسان يشعر بأنه ينتمي لهذه الأرض منذ أن تطأ قدمه عليها، حيث أنه يتم معاملة المهاجر فور وصوله على أنه مواطن كندي في كل شيء، باستثناء المشاركة في الانتخابات النيابية. هذا الجانب (أي المواطنة) هو واحد من أكبر العوامل التي تجعل القادمين الجدد يشعرون بالألفة رغم بعد المسافة عن الأهل و الوطن الأم.

الجميع في كندا يحصل على حقوقه الأساسية من تعليم للأطفال و طبابة مجانيّة. و بما أن الجميع يحصل على ذات الحقوق، لا تجد أحدا يتعالى على أحد.

و نظرا للقوانين التي تكفل الحد الأدنى من الحياة الكريمة للعامل في كندا، يجد المرء نفسه مُلزماً على التخلّي عن الكثير من الزوائد و الإعتماد المفرط على الآخرين. من النادر مثلا أن تجد إنسانا في كندا يستأجر إنسانا آخر لكي ينظّف له الثلج من أمام بيته خلال فصل الشتاء. و يمنع توظيف عاملة منزلية تقوم بكل وظائف المنزل، بل يوجد نظام العمل حسب عدد الساعات. الإنسان هنا مُجبر أن يكون مسئولا عن نفسه و قراراته الكبرى في الحياة.

جميع أشكال العمل في كندا توفّر للمرء حياة كريمة. من هنا إذا أردت أن تستفيد من خدمات إنسان آخر فعليك أن تدفع له ما يستحق لكي يعيش هو حياة كريمة مثل حياتك. لهذا تجد معظم الناس بمختلف مستوياتهم الإجتماعية يعيشون و يتمتّعون بحد أدنى من المعيشة، فلا أحد ينام جائعا أو على قارعة الطريق (إلا إذا اختار هو ذلك).

البداية من الصفر

ربما يصطدم القادمون الجدُد بأسلوب الحياة المتمركز حول تحمّل المرء مسئولية نفسه و أغراضه إلخ.. و يعتبرونها من الحواجز و العراقيل التي تسبّب التعاسة، و لكنني أراها عكس ذلك. أعتقد أن أسلوب العيش في كندا ينمّي جوانب من شخصية الإنسان ربّما لم يتم اختبارها من قبل. صحيحٌ أن غياب الرفاهية المفرطة يزيد من المتاعب، لكن هذا التعب يمنح الإنسان شعورا بالإنجاز. و حين تختلط الحياة بالمتاعب يصبح الناس أكثر قدرة على إدراك قيمة الأشياء من حولهم، و يجعلهم أكثر تواضعا.

تفرض كندا على القادمين إليها أن يتحلّوا بالتواضع و المرونة، و من لا يستطع أن يفعل ذلك يعش تعيساً فيها. و بما أن الجميع هنا تعب و شقي لكي يحقق مراده فإن الإنسان المهاجر لابد أن يكدّ و يشقى (في البداية) لكي ينخرط في هذا المجتمع. لذلك حين يأتي المرء إلى كندا عليه أن يرمي كل الألقاب و المناصب و التسميات التي كانت تُطلق عليه وراء ظهره، وليس ذلك فحسب بل في كثير من الأحيان عليه أن يرمي خبرته المهنيّة أيضا لأن معظم الشركات لن تعترف بها. يحتاج القادم إلى كندا أن يكون مستعدا لتقبّل العمل في مجالات قد تُوصف بأنها غير لائقة في بلده الأم (كأن يعمل حامل شهادة جامعية في مطعم أو سائق تاكسي أو حمّال بضائع إلخ..).

هذه النقطة مهمة جدا لمن ينوي القدوم إلى كندا و في ظنّه أن الحياة هنا ستكون ورديّة. كلا. لابد من سنة أو أكثر يتخلّلها التعب و الكثير من التعلّم و البحث و التدريب، و من ثم يبدأ الإنسان يتنفس بشكل أفضل و يكتشف مساره الوظيفي. بالطبع تختلف هذه التجربة من شخص لآخر، فبعض الناس يحالفهم الحظ في إيجاد وظائف جيدة مباشرة بعد قدومهم (خاصة في مجال برمجة الحاسوب) و البعض الآخر يعاني من صعوبة الإندماج لعدم إلمامهم باللغة الإنكليزية أو لأسباب أخرى.

و مع هذا كلّه يكتشف الإنسان بعد حين أن الحياة مستقرّة بمعزل عن الخيارات التي يتّخذها، و أنه ليس عليه أن يفكّر بما سيجلبه الغد معه من حوادث و أخبار و مصائب.

تكاليف العيش

سأقذف بعض الأرقام التي يجب أن لا تُؤخذ حرفيّا لأن تكاليف العيش تختلف من مدينة لأخرى و من أُسرة لأخرى. الجزء الأكبر و الأعظم من المصروف الشهري هو بدل إيجار الشقة أو المنزل (الذي يُعتبر أنه مرتفع جدا في 2020)، ثم الطعام و الشراب، ثم فواتير الكهرباء و البنزين و تأمين المركبات. ينطبق هذا التوزيع على مقاطعة أونتاريو بشكل خاص. تحتاج الأسرة العادية في أونتاريو تقريبا إلى حوالي 3000 أو 4000 دولار كندي شهريا لكي تغطي مصاريفها، و تقوم الحكومة في المقابل بدفع مبلغ شهري يتراوح بين 300 و 750 (إعتمادا على دخل الأسرة السنوي) عن كل طفل لغاية سنّ الثامنة عشرة. هذا يعني أن التكلفة الفعلية تكون حوالي 2500-3500 للأسرة التي يكون عندها طفل واحد. و توفّر الحكومة برامج مساعدة لذوي الدخل المحدود (أي دون 30 ألف دولار في السنة). تتمثل هذه البرامج في تطبيق تخفيضات على فواتير الكهرباء، أو توفير خدمات الإنترنت المتواضعة جدا مقابل مبلغ بسيط لمن يهمّه إستخدام الإنترنت بأبسط أشكاله فقط، أو إرجاع جزء من الضرائب التي يدفعها الإنسان والتي تبلغ نسبتها 13% على كل السلع و الخدمات (ما عدا الأغذية الضرورية) إلخ.. تُطبَّق معظم هذه البرامج بشكل تلقائي حين يقوم الناس بملء إستمارة التصريح عن ضريبة الدخل، و هو إجراء إلزامي لكل مواطن و مقيم و يتم سنويا بين شهر أبريل و يونيو.

الحد الأدنى للأجور في مقاطعة أونتاريو هو 14.25 دولار كندي في الساعة، لكن العديد من الوظائف التي لا تتطلب مهارة عالية تتراوح رواتبها بين 16 و 18 دولار بالساعة. و كلما زادت المسئوليات أو المهارات المطلوبة زاد الأجر، و يزيد أيضا مع مرور الوقت لأن معظم الشركات تعطي أهميّة للموظفين القدماء. و بالطبع يوجد وظائف رواتبها أعلى بكثير (خاصة الحكومية). يتميّز سوق العمل في كندا بالمرونة، حيث أن الدوام الجزئي متوفّر في معظم الشركات، و يسهل التنقّل من شركة إلى أخرى.

الضريبة على الدخل مرتفعة و تصاعدية، أي أن الذي يتقاضى راتب عالي يدفع نسبة أعلى من الضريبة. و لكن في نهاية المطاف تعود هذه الأموال إلى الناس على هيئة خدمات مجانية، و برامج لدعم ذوي الدخل المحدود.

الطبيعة الخلابة

كندا بلد رائع الجمال. نسبة الإخضرار الموجودة فيها هائلة و طبيعتها تتحوّل جذريا مع تبدُّل الفصول، ففي الشتاء صقيع و برد شديد و ثلج متراكم و أشجار عارية و أرض بيضاء و بحيرات و أنهار متجمّدة. و في الربيع دفء و اخضرار و حياة. و في الصيف مزيج من المطر و الجو اللطيف و الحرّ و الرطوبة العالية و موسم قطف الفراولة و الذرة، و في الخريف ألوان و لوحات فنيّة ربّانية خلابة و موسم قطف التفاح و اليقطين و القمح.

إليكم بعض الصور من مختلف الفصول.

لكن كندا ثاني أكبر دولة في العالم و طقسها يتغيّر باختلاف المُقاطعة و المدينة، و الذي لا يحب البرد و الجليد يستطيع أن يختار مقاطعات أخرى يعيش فيها. تختلف تكاليف العيش من مقاطعة إلى أخرى و من مدينة إلى أخرى، لكن جميعها تشترك في شيء واحد: الطبيعة الخلابة.

الأخلاق

لاحظت أثناء احتكاكي بالناس هنا أن معظمهم يتمتّع بطيبة النفس، و الكثيرون يبادرون بالإعتذار و الإبتسام و عرض المساعدة على الآخرين. أعتقد أن ذلك عائد لعدة أسباب: أولا لأن المواطن الكندي لا ينظر للقادم إلى بلده على أنه غريب و جاء يسلبه أرزاق بلده، و ثانيا جزء كبير من السكان هم أنفسهم مهاجرين أو أبناء لعائلات هاجرت إلى كندا قبل عقود، و ثالثا أساسيات الحياة مؤمنّة للجميع فلا أحد يخشى أن يموت من الجوع أو أن ينام في الشارع أو أن يخسر إقامته.. و ينعكس ذلك بشكل جليّ في كافة مجالات الحياة، بالأخص في جانب معيّن يُثبت ما أقول: أثناء قيادة المركبات! بعد سنة من قيادة المركبة على الطرقات في كندا، لم أصادف و لو لمرة واحدة أي تصرّف عدواني أو لا أخلاقي أو مزعج على الطريق من سائقين آخرين! هذا الأمر لا زال يدهشني إلى اليوم كلما فكّرت في عدد المرات التي واجهت فيها تصرّفات عدوانية أثناء قيادتي المركبة في دولة الإمارات.

و في صعيد آخر، يقدّس القانون الكندي التنوّع و الإختلاف كثيرا، فتجد أن الإنسان يكون إما مُلزما أن يحترم الآخرين باختلاف أشكالهم و ألوانهم، أو أن يفعل ذلك طوعاً بحسن نيّة. لهذا يشدد قانون العمل على التصدّي لكافة حالات المضايقات التي يمكن أن تحدث في مكان العمل نتيجة اختلاف اللون أو العرق أو الجنس أو العمر إلخ..

يحترم القانون الكندي التنوّع الديني كذلك، و ينبذ التصرّفات التي تسيء لأصحاب الديانات الأخرى أو تسخر منهم، مهما كان تبريرها، على عكس الكثير من الدول الأوروبية التي تتبنّى نسخة متطرّفة من العلمانية. فعلى سبيل المثال، يمنع القانون فرض سياسات تُجبر الرجال في الشرطة أن يحلقوا ذقونهم إذا كانوا يتركونها لأسباب دينية (هذا شائع بشكل خاص عند طائفة السيخ).

العناية بالأطفال

تستقدم كندا كل الناس من مختلف أصقاع الأرض، ثم ينجبون الأطفال، ثم تتحوّل ذريّتهم بعد جيل أو جيلين إلى مواطنين كنديّين بكل ما للكلمة من معنى. لهذا السبب، لا تخشى كندا من تنوّع الثقافات لأن الجميع في النهاية سيذوب في مزيج من الألوان المتشابهة نوعا ما. لاشك أن القادمون الجدد هم مواطنون كذلك، لكنهم يحملون معهم جزء كبير من ثقافات و عادات مختلفة و ليس لديهم دراية عميقة بالبُعد التاريخي للدولة أو للحياة السياسية و غير ذلك.

لهذا تهتمّ الحكومة الكندية كثيرا بتوفير كل الرعاية للأطفال، و تدعم الأسر التي لديها أطفال بمبلغ شهري. و فوق ذلك تتوفّر العديد من البرامج الإجتماعية و الرياضية التي تتيح للأولاد الإندماج في المجتمع أو تعلّم الحِرف و المهارات، و رغم أن ذلك متوفر في جميع الدول إلا أن الحكومة الكندية تدعم تلك البرامج ماديّا بحيث تكون متوفّرة بشكل شبه مجّاني. و يحظى الأطفال بحماية مشدّدة من القانون فلا يستطيع أحد الأبوين الإعتداء عليهم بالضرب و يصل أحيانا الأمر إلى حرمان أحد الأبوين من حق حضانة الأطفال إذا تكرّرت حالات الضرب أو الإعتداء على الأطفال لفظيّا. و يحدث هذا أحيانا نتيجة تبليغ الجيران عن مثل هذه الحوادث التتي تتعامل معها الشرطة بكل جدّيّة.

أما المدارس فتركّز منذ اليوم الأول على تدريب الطفل على التحلّي بالأخلاق قبل العِلم. الطفل يتعلّم في المدرسة حبّ الآخرين و حبّ التنوّع و محاربة التنمّر و الإعتداء (جسديا و معنويا) على الآخرين. سمعت الكثير من الناس يشتكون من ضعف التعليم الإبتدائي للأطفال مقارنة ببلدان أخرى عربية و غيرها، و ربما لديهم بعض الحق، ولكن كندا -من منظوري- دولة تهتم بصحّة الطفل الذهنية و النفسية إلى جانب التعليم. فالتعليم في بلداننا يكون أحيانا أشبه بمعسكر تدريب أو مكان لإرهاق الطفل ذهنيا و جسديا، أو سبيل لحصول الإنسان على شهادة تعلّق على الحائط. في بلداننا يُداس على التلميذ الضعيف لأن مناهج التعليم تقوم على الحفظ و التكرار. لماذا على التلميذ أن يحفظ كتاب التاريخ ثم ينساه بعد أشهر قليلة؟ إذا أردت معلومة تاريخية تهمّني أحمل هاتفي و أبحث عنها و أجد الإجابة في أقل من ثانية!

تقوم العديد من المدارس بكندا بجمع الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة مع الطلاب الآخرين في صفّ واحد. هم يوفّرون لهم معاملة خاصة و نوع مختلف من التعليم، ولكن وجودهم يعلّم الآخرين أن كل إنسان عنده الفرصة في التفوّق في أشياء دون غيرها، و أن الذكاء لا يقتصر على الحفظ فحسب، بل كل إنسان ذكي بمجال ما و لابد من إعطاء فرصة للجميع للتفوق.

المدارس متوفّره في كل حيّ و الطفل يمشي إلى المدرسة إذا كان في العمر المناسب لذلك، و الحافلات التي تنقل الأطفال البعيدين عن المدرسة هي كذلك مجانية. تبدأ معظم المدارس دوامها في الساعة التاسعة صباحا، مما يعطي مساحة للأطفال لكي يأخذوا قسطهم الكامل من النوم.

أما كبار السن و الشباب لهم حظّهم أيضا من العناية، فجودة حياتهم و صحتهم تنعكس على حياة الأطفال. تتوفر وسائل النقل الحديثة و مسارات الدراجات الهوائية في كل مكان و الحدائق العامة و أماكن المشي و الركض و التنزّه و لعب الرياضة. كل ذلك متاح على بعد أمتار من الأماكن السكنية، في كل حي و في كل حارة.

كندا جنّة الأطفال و أرض المهاجرين.

الجانب الآخر

لاشك أن كندا فيها سلبيات و مشاكل، أبرزها تتعلّق بالجرائم و الأمن و السلامة. الإنسان هنا يخاف على أغراضه و ممتلكاته من السرقة و مثل هذه الحوادث تحدث بشكل ملحوظ. و لكن لا شيء يدعو للخوف إذا توخى الناس الحذر و اختاروا أماكن للعيش ذات سمعة حسنة.

البرد القارص – سمعت الكثير عن الطقس البارد القاسي قبل قدومي إلى هنا، و قرأت عن أناس يغادرون كندا لهذا السبب بالتحديد! والحقيقة أن طقس كندا بارد جدا في الشتاء. تتراوح درجات الحرارة في مقاطعة أونتاريو في الشتاء بين ناقص 20 و ناقص 5، و يصادفه بعض الأيام التي تنزل فيها درجات الحرارة إلى ناقص 30 أو أكثر. تتجمّد الأنهار و البحيرات في الشتاء فتصبح مرتعا للتزلّج أو التخييم على الجليد. و يخرج العديد من الناس خلال الأيام “الدافئة” (أي عندما تكون الحرارة ناقص خمسة) يتمشّون و يمارسون الرياضة في الغابات، و تلك تجربة جميلة جدا. يحتاج الشتاء إلى ملابس دافئة تسمح بالخروج من المنزل، وما إن توفّر ذلك تصبح الحياة أسهل نسبيّا.

العنصرية – موجودة و إن لم تكن علنيّة. لم أصادفها أنا شخصيا، و لكن أسمع أحيانا عن حوادث تحصل هنا و هناك، و قد تكون محصورة بمدن و مقاطعات دون أخرى. هل نسبتها عالية جدا بحيث تثير القلق؟ لا أعتقد. بل إن الشواهد و الأدلة الملموسة من تجربتي ترجّح العكس.

البُعد عن الأهل – هو أمر واقع نتيجة بعد المسافات و غلاء أسعار تذاكر السفر، و لابد أن يحسب له القادم إلى كندا حساب.

الطبابة – بالرغم من أن الطبابة مجّانية إلا أن القادم من الخارج – خاصة من دول الخليج العربي – سيكتشف أن الأطباء ليسوا على مرمى حجر منه، بل أحيانا تتأخر المواعيد و تتأجل العمليات الجراحية إذا لم تكن ذات أولوية قصوى.

هل لديك أسئلة عن الحياة في كندا لم أطرق إليها؟ أكتبها في التعليقات و سأجيب عنها على قدر معرفتي.