
إذا كان السكوت من ذهب، فالإنسان ليس حشرة! أن تكون حرّا فهذه ليست بدعة، وأن توفَّر لك وسائل العيش الكريم فهذه ليست مكرُمة، وأن تكون كريما فهذا ما أراده الله لك – ولقد كرّمنا بني آدم [1]. ولكن .. (كانت) العين بصيرة واليد قصيرة، وما شهدته أو سمعتُ عنه من حكايات تدور أحداثها في أروقة الأمن العربية لا يمكن التعبير عنه بكلمات ولا حصره بتدوينة! إليكم هذه القصة.
وهذه قصة حقيقة لم يمض عليها شهر، ترويها زوجته التي أعرفها شخصيا وأشهد على صدقها في سرد الرواية. لا هي ولا زوجها ينتميان لأي جهة سياسية.
اعتُقل زوجي لأنه كان يقوم بتصوير مظهر حضاري يراه ولأول مره في بلدنا الحبيب، ألا وهو: مجموعة من السيدات يحملن لافتات كُتب عليها عبارات مثل “لا للعنف” … “الحريه للشعب” ورفعن علم الدولة.. وكان التجمّع صامتا.
وللأسف خلال دقائق هجم علينا مجموعة من الأمن وباشروا بتعنيف المتظاهرات والاعتداء على بعضهن بالضرب والشتم. ثم بدؤوا بالاعتقال، وكان أولهم زوجي الذي طلبوا منه أولا أن يعطيهم الموبايل، ولما رفض وطلب منهم أن يعرف من هم وبأي حق قاموا بالاعتداء علينا بهذا الشكل، ما كان منهم الا أن سحبوه من قميصه وعندما سألهم الى أين أجابوه (لعند يلّي خلقك).
وضعوه في الباص مع من اعتقلوا معه ايضا من نفس المكان من الشباب والبنات وبدأوا بالشتم وبأقذع الألفاظ، وخصوصا للبنات. وربطوا أعينهم بعصابات سوداء وأخذوهم الى أحد أفرع الأمن -وما أكثرها- ثم بدأ التحقيق الذي يأخذ شكل تهم جاهزة لمن يقبل -من شدة التعذيب- أن يعترف بها! حيث يبصم المواطن على صفحتين خاليتين قبل البدء بالتحقيق. والتحقيق يكون بدون ملابس والعينين معصوبتين و “أبو الموت” و “أبو شملة” و “أبو الجماجم” يمارسون متعتهم بالضرب والإهانه اثناء التحقيق. وبعد أن تفشل كل محاولات المحقق في تلبيس التهم يتصاعد مستوى التعذيب والذي يشمل: الضرب والفلقة بالعصي والكابلات والضرب بالكهرباء إلى أن يهدّدوا بنتف شعر الجسم. وهكذا … حتى يمل المحقق المتميز بشدة غبائه بتلفيق أي تهمة. وطبعا الضرب والاهانه مستمرة مع كل تحركات المواطن أي أثناء ذهابه الى التحقيق وفي رجوعه أو أثناء ذهابه الى الحمام وحتى وهو بالحمام. والمواطن الذي خرج ليقول نريد حريه هو خائن وأمه عاهره وزوجته كذلك.
ثم وبعد ثلاثة أيام أحذوه الى فرع أمن جديد وفي الباص أجلسوهم وهم مربوطي الايدي ومعصوبي الأعين وبدأوا بضربهم بالعصي والكابلات غلى الظهر والأكتاف والعناصر تغني أثناء ذلك أغاني للسيد الرئيس بأعلى صوتهم واستمر الحال حتى وصلوا الى مقرهم الجديد وكان في استقبالهم مجموعات جديدة من المعتوهين الذين يستمتعون بهذه الأجواء! ووضعوهم في ساحة الفرع وتحلق أولئك المعتوهين حولهم وبدؤوا بضربهم “و وين ما اجت تيجي”. و بعد قرابة الساعة من الضرب والضابط يجلس على كرسيه الوثير في الساحة يراقب وهو يشرب المتة ويدخن.
أخذوهم الى القبو ووضعوهم في غرفة تفتقر الى أقل حدود العيش للحيوانات وبدؤوا بضربهم فلقة على أرجلهم وهم على بطونهم والأرجل والأيدي مربوطة، ونصيب كل مواطن عشر ضربات، ومن يصرخ أو يستغيث يُعاد له العد من البداية. فما كان من زوجي إلا أن عض على كم قميصه عسى ذلك أن يفيده في تحمل الألم! وهكذا كان الأشخاص المكلفين بالتعذيب، لا ينتمون الى أي كائن في هذه الحياة.
بقي زوجي بين أيديهم 15 يوم ونحن لا نعرف عنه أي شيئ. ثم أحالوه الى المحكمة والقاضي كتب له في إفادته أنه بريئ ولم يقم بأي شيئ مخالف للقانون وأن اعترافاته الخطيرة والتي تقول أنه حرض على التظاهر أخذت منه تحت التعذيب وقال له القاضي (روح إنت حُر).
بس ما عرفنا شو مشان الـ 15 يوم يللي عذّبوه فيهن؟ شو مشان آثار الضرب يللي واضحة على جسمه؟ شو مشان محبسه وموبايله يللي سرقوهن الأمن؟ ما بعرف!! ولكن المهم من كل ما كان وصار أن الشباب همّتهم لحدود السما ولن يستطيعوا مهما فعلوا بهم أن يعيدوهم الى الوراء ولا حتى خطوه! [2]
والآن إن لم تكن هذه القصة وقصص أخرى من العالم العربي مثل “مذكّرات الأيام الست” التي كتبها زميلي، إن لم تكن فظيعة، فلا تعليق لدي سوى القول بأن عارض ستوكهولم متفشّ في البلاد!
القصص التي سمعتها من أبي وأقاربي عن أحداث صارت معهم أو أحد معارفهم أو حكايات رواها الناس في حوارات متلفزة (مثال) لا يستوعبها عقل إنسان.
أو كقصة عامل البناء الذي عاش في بلدتي فترة طويلة، وكانت له صلة جيدة بجميع الناس. وفي يوم من الأيام كان الرجل في زيارة لأهله، وقبل أن تطلع عليه الشمس، دقّ باب منزله، فاختفى الرجل.
وبعد عشر سنوات، يدخل رجل مألوف الوجه إلى محلّ والدي. وقبل أن يتفوه بكلمة إذ هو يبكي. قصة إعتقاله تبكي الحجر. 10 سنوات في السجن لم يعرف سبب اعتقاله فيها.
عندما يرمقك العسكري بنظرة احتقار ويتحذلق أمامك لكي تدسّ في جيبه دراهم معدودة ليسهّل لك أمورك، فهذا ضرب من التعذيب.
ولطالما تسائلت: هل هذه صفات الجندي الذي سيحارب يوما على الجبهة؟
ومرّة، أوقفنا شرطي الجمارك على الحدود ليفتش السيارة. قال: إفتح الصندوق! وكانت الساعة قد ناهزت منتصف الليل ومعنا نساء، ولما رأى الشرطي الأغراض (التي نشتريها في كل مرّة) مصفوفة في صندوق السيارة، قرر أن يلعب لعبة وسخة جدا.
قال: نزّل الأغراض من السيارة!
أهون عليك أن تُقنع صخرة بأن أصلها قرد على أن تقنع هذا الشرطي بأنه مخطئ. لذا وبعد ساعتين من الانتظار والتلذذ بالتعذيب، انتهت القصة بـ 2500 دولار دفعناها لتفادي الاعتقال.
ومن وسائل التعذيب النفسي أن يحتقرك الآخرون ويلفّقوا لك الأكاذيب ظنا منهم أنك غبي! كأن يقولوا بأن التقوى لدى الناس وصلت لدرجة تجعلهم يخرجون بالمئات لشُكر الله على نعمة المطر!
وأمثلة كثيرة أخرى، لا تقل جنونا عن هذيان القذافي الذي يقول إن كلمة “الديموقراطية” عربية وأصلها “ديمو الكراسي”.
وتعقب الزوجة قائلة على ما جرى لزوجها ..
لن أنسى ما قدمتوه يا أحبائي كي أعيش وأولادي بحريه حرمتم أنفسكم منها لأجلنا جميعا.
لذا، كاسك يا وطن..
- مصدر الصورة: http://globalvoicesonline.org
__________
جزاك الله خيرا أخي على هذه التدوينة الرائعة، وجازاك الله على ما أوجعت به قلوبنا ولكنه وجع مطلوب
وكاسك يا وطن يمكن أن تشربه على حال أبناء أوطاننا كلها بلا استثناء، وما خفي كان أعظم، ونسأل الله تعالى أن يأتي ذلك بفائدة، ولا تضيع دماء الشهداء هدر.
كاسك يا وطن شربته منذ فترة أيضا بمناسبة الاحتفال بانفصال جنوب السودان.
تقبل تحياتي ومتابعتي المستمرة لمدونتك الراقية إن شاء الله.
الله يحفضنا وياكم من كل مكروه
و الثوره صارت في كل شي الان حتى بعد فتره من الزمن راح تكون ضدنا
أمرُ محزن لم أكن اعلم ان مايحدثَ كانَ شنيعاً بهذا القدرِ
الله وليهمَ ونعم النصيرَ
حسبنا الله ونعم الوكيل
كان الله في عونهمَ .. شكراً لنقلِ القصهَ
أدمتَ قلبي !!
شكرا لصاحب هذه المدونة الرائعة
موضوع اكثر من راائع
صح لسانك ……وما خفي كان اعظم
يالهي … ماذا الذي يحصل هناك ؟
ماالذي يمكننا فعله لدعمكم يا اخوان
اهذا جزاء من صور ، فما جزاء من تظاهر و احتج
اعوان الشيطان ، كلاب مجوسية حقيرة قطع الله يدها
اهكذا يعامل الشعب المسكين المغلوب على امره …
ااااخ …. كان الله في عونكم ….
هيك زمن الهرج والمرج..
الحمدلله انهم اطلقوا سراحه بعد 15 يوم، ولسة بدهم تحقيق في المسألة!!
يريدون العودة لزرع الخوف والرعب بقلوب الناس لكن الناس الخويفة ماتت،
والآن كبر الشباب وفتح عينيه..
اخيراً يعني.
وأنا أقرأ القصة لم أندهش على الإطلاق، لأنها ببساطة نفس القصة
هنا هناك ..ف كل منطقة عربية.
واكيدة اننا سبقناكم
الجندي -رجل الأمن المتخفي-الجلاد
كل هؤلاء تم اختيارهم لانهم زبانية بلا رحمة..
انما فيهم بشر مجبرين على تادية وظائفهم المعدلة بدل ما في خدمة الشعب ،بالمألوف خدمته باعادة تربيته وضبط سلوكه.
من العهد القديم ، نحن هنا متعودين على الهراوات والاختفاء القهري للناس،
اللي ممكن يرجعوا يوماً وممكن جداً لا.
المواطن الصالح الصالح يقبلها، يضحي بنفسه
لأجل كلمة كرامتي -حريتي- وطني.