في ضيعتنا شيخ (1)

كان يوم الجمعة ثقيلا على قلبي إذ يجدر بي أن أستقيظ لأستحم وأسير إلى مسجد في وسط الضيعة لأستمع إلى خطبة معلّبة مفادها أن “بوش” شرير.. وهكذا استمرت الجمعة بعد الجمعة حتى جاء اليوم الذي حدث فيه تغيير جذري في المسجد.
كل الطرق لا تؤدّي إلى المسجد
كانت الطريق إلى المسجد في قلب الضيعة يملؤها الضجيج، فلا المحلات تُقفل ولا الناس يكترثون في بلدة يُجمع الأكثرية أنها “مُسلمة”، وكان بائعوا الخضراوات يرمون بضاعتهم البالية في وسط الطريق وكانت شرفات المنازل التي تطل على الطريق المكان الأمثل لكي تلقي منه ربات المنازل ما لذ وطاب من القمامة. ولا يخلو الأمر من صياح وكلمات نابية تجري على لسان هذا أو ذاك، وكأن الحياة وُجدت لسواد أعينهم.
ثم سافرتُ. لازلتُ أذكر كيف اقترح عليّ ذاك الرجل الذي جاء من أقصى الأرض بلهجته الإنكليزية الأصيلة “صديقي، إذا أردتني أن أوقف السيارة إلى جانب الطريق في أي وقت كان لكي تؤدي صلاتك فافعل ذلك من دون خجل”. وقال لي في مشهد آخر: “أنظر إلى القمامة كيف هي منثورة هنا. سأعاود زيارة هذا المكان الأسبوع المقبل وسأحرص أن أزيلها لأنني أشعر بالأسى عند رؤيتها”… قالها وقد كنّا حينها نتسلق الجبال في قلب الصحراء! كنت مستغربا في كلا المشهدين.
الأطلال
لقد كانت ضيعتي فيما مضى من أجمل القرى في منطقة “جبل لبنان” بطبيعتها الخلابة وبيوتها المبنية من الصخر الذي يعلوه القرميد الأحمر، وينابيع الماء العذب، وأحراش الصنوبر، و”الزيّ العربي” الذي يميزّه الشروال والطربوش; مصدر فخر لمن عاشر جيل جدّي رحمه الله. وكانت بيادر القمح ومغازل الحرير ومعاصر الزيتون مصدر رزق الناس الذين اعتمدوا على زراعة القمح والأعناب وتربية دود القز وتجارة القماش والحرف اليدوية. وكانت ضيعتي عامرة بالزهّاد الذين حفظوا القرآن ودوّنوه بأيديهم عندما لم تتوفر لهم إمكانية طباعته، وكانوا من أتباع الطُرُق الصوفية ولعلّ هذا ما أحتاج أن أتعمّق في معرفته واستكشافه في المرحلة المُقبلة.

كانت الأيام مليئة بالصعوبات والمشقات وكان هناك أخطاء، لكن الحياة كانت ذات قيمة، وهذه القيمة -التي يمكن أن نسميها بَرَكَة- متجسّدة في كل شيء: في مذاق لحم الخروف الذي يرعى في الجوار، وفي طعم حبات الكوسا والخيار والبندورة والبطيخ واللوز والرمان والزيتون وما نما في حديقة المنزل الخلفية والصغيرة، وفي لبن البقر الذي كانت تحلبه النساء والرجال، وفي زقزقة العصافير التي تملئ أجواء الصباح، وفي صوت المؤذّن الذي ارتفع فوق مئذنة شامخة صلبة متكبّرة عمرها مئات السنين.
حكايات جدّتي
قالت لي جدّتي مرّة، كنتُ أخرج إلى العين فأقطع طريقا طويلة ووعرة في الحقول لكي أملئ جرة الماء ليستحمّ به أولادي السبعة وجدّك العائد من السفر بعد غياب دام أشهر كان مسافرا فيها إلى سوريا أو الأردن أو فلسطين لتجارة القماش. وأستخدم الماء في الطبخ وفي صنع العجين الذي سأخبز منه خبز “المرقوق”.
تزوجّت وهي صغيرة، كان عليها أن تخضع لعادات ظالمة بحق الفتيات سادت نتيجة سنوات الإنحطاط الفكري والإقتصادي التي أصابت الدولة العثمانية في نهاية عهدها وما تلاها من إستعمار. لكنها صبرت، وكافحت، ولا أنسى اليوم الذي كانت فيه على فراش الموت وقد تركت عليها مسيرة ما يزيد عن ثمانين عاما من الجهاد آثار اطمئنان -أو هكذا بدت لي- وأشار إليّ أحدهم وأنا أقبّل جبينها وهي في سكرة الموت، فسألها: هل تعرفين هذا الشاب؟ كنت واثقا أن جدتي لن تخذلني.

كان قلبي يقفز فرحا عندما تقص عليّ أخبار شبابها، وكنت أحب أن أسمع منها عبارات من جيل مضى، اكتشفت لاحقا أنها عبارات تركية دخلت العربية عن طريق الحكم العثماني. سألتها عن مراسم الزواج وحال الفتيات في شبابها فقصّت عليّ أشياء حسبتها للوهلة الأولى محض خيال. كانت الفتاة بحسب قولها لا تخرج من بيتها في سن الرابعة عشر إلا محتشمة وعلى رأسها “منديل”، وكانت الأفراح تقام بالطريقة التي توصف الآن بالتقليديّة، حيث أن الرجال والنساء منفصلون عن بعضهم. هذا ما أجده قائما ليومنا هذا في دول الخليج.
ثم حلّت اللعنة..
على نسق رواية الحرافيش لنجيب محفوظ، لم تمر أعوام حتى أخذتْ الدنيا تتغير شيئا فشيئا. خفتت أصوات الطيور، جفّت مياه الينابيع، راحت يد الإنسان تبطش بالطبيعة. المحلات التي كانت بالأمس تدرس القمح وتغزل الصوف والحرير استحالت مقاهي يلتقي فيها الشباب لتمضية الوقت في “الكلام الفارغ” على رأي المصريين، وفي لعب القمار! وتحوّل الزي العربي إلى زي أعجمي، وسقط المنديل، و شبّ الأطفال على حليب “نيدو” ووجبات كنتاكي، وتحوّلت معاصر الزيتون إلى عدد من المحلات التي تستورد العنب المعصور، وغاب المنشدون الذين يذوبون في أبيات الشعر الصوفي وحل مكانهم من اعتاد لسانه على السب والشتم (بدءا بالأم والأخت، مرورا بالنبي، ووصولا إلى السماء). أما بيوت القرميد التي كانت تعكس روح الناس الجميلة والمتذوقة للفن فحلّت مكانها مربّعات من الإسمنت الرمادي الذي يوحي بالموت. هكذا تغيّر كل شيء في ضيعتي دون أن أدري متى وكيف ولماذا.
كل ما أعرفه هو أن تشخيص الحالة التي أمر بها تدعى الـ epiphany.
في الحلقة المُقبلة: إذن فليسقُط بوش.
[كلمات مفتاحية] خاطرة, ضيعة, عادات, لبنان [التصنيف] إجتماعيات
[ قرأها 1,277 ] [ نسخة للطباعة ]
25 قرّاء علّقوا على التدوينة بملء إرادتهم
عوني .. انت رائع !
شعرت و كأنني أقرأ قصة يكتبها روائي محترف و متمكن جداً ، ناهيك عن المعاني الرائعة و القيم الجميلة التي تختبيء بين ثنايا الكلمات .
انتظر الجزء الثاني بفارغ الصبر ، لك من مودتي .
مذهل كعادتك يا ( عونى ) أتمنى صداقتك لأننى أتابعك منذ عامين
الا تتفقون معي أن في كل زمن من الأزمنة نجد أن السابقين يمدحون عصورهم السابقة ويلعنون العصور اللاحقة او الحالية بالنسبة لهم ؟
هل فعلاً كلامهم صحيح ؟
أم اختلاف الرؤى بين الأجيال ولدت ذلك وبناءً على ذلك فلا نميز الزمن السابق عن زماننا بأي ميزة؟
ظاهرة تحتاج دراسة
تحياتي
مقال جميل جدا ، هذه سنة الله في الخلق وهي عملية التغيير وهو لا بد من ان نتغير ولكن ليس الى الأسوأ ، إذا اردنا ان نتغير نحافظ على ثرواتنا ، وعلى عاداتنا واخلاقنا العربية وعلى ديننا السمح وعلى كل ما هو يثبت وجودنا في هذه الحياة وهو المحافظة على تراثنا من الضياع لكي لا ننسلخ الى شيء غير معروف.
الله يهدي هذه القرية واهلها ويصلح حالهم ، نحن لا نرمي أخطاءنا على الآخرين.
فليسقط كل بوش وامثاله.
مع تحياتي saif
هكذا تغيرت دولتى كلها وليست ضيعتك فقط.
أولا أقول بعد التحية والتهنئة بشهر الصيام رمضان المبارك
جزاك الله خيرا ياعوني
فكل قرانا وبلداننا وضيعنا كانت كذلك
كان فيها البساطة ممزوجة بالتدين والعفة مع الطيبة والصدق مع الوفاء
فأفسدوا فيها ففسدت
كذلك كانت سوريا ومصر والمغرب وتونس
فأفسدوها أفسدهم الله
قريتنا أجبرت على اللحاق بضيعتك
ساقها لحتفها النخاسون الجدد
@ الجميع: سرني سماع آرائكم.
@ فؤاد: أدعك أن أجري دراسة عن الموضوع، وأنصحك أن تنتظر نزول الجزء الثاني من المقالة.
هناك عادات مدخلة لمجتمعاتنا تقوم باستغلال أفكارنا , و نتمنى ان تأتينا هذه اللحظة (( لحظة اليقظة من الوهم)) , لنقوم بتقيم أنفسنا اولا ثم تقيم ماحولنا .
أرجو ان يتم ذلك باكرا قبل أن نفقد بصمتنا المميزة أو دعني اسميها الهوية .
فلماذا أختبأ تحت هوية تجمع عالما كبيرا تطبع بطابع خاص به هو بعيد عن أصالتي طالما أن لي هويتي.
ترى ماذا سيحدث في الجزء الثاني؟
كلمات رائعه تجول في خاطري واتساءل متي نعود أهو مستحيل أم يمكن الرجوع الى ما هدانا له الله لنجعل انفسنا تنعم برضا نابع من رضا الرحمن فتصبح البيوت يملأها الصفاء….
(وكانوا من أتباع الطُرُق الصوفية +ولعّل هذا ما أحتاج أن أتعمّق في معرفته وأستكشافه في المرحلة المُقبلة+ ) .. لا تحتاجه .
أنتظرك يا صديقي عند ناصية الجزء الثاني للتمردغ بين كلماتك .
رغم أن الحياة قديما كانت صعبة إلا أنها كانت تتسم بالهدوء و النظام و كان البشر يحترم بعضهم بعضا , أما الآن ضاع الكثير من معالم الحياة و أصبح ما كان متعارف عليه مرفوض .
هاقد اتيت بعد طول انتظار أول شي جمعة مباركة على الجميع
القصة جميلة ومؤثرة ![]()
لم تتغير لبنان وحدها فالسعودية تغيرت أيضاً
ولعل لي تجربة مماثلة حينما تقص علي جدتي
لو قارنت بين مئة سنة مضت والان
فكأنك قارنت بين عهد الرسول وعهدنا
فالفارق كبير جداً والدنيا تغيرت أتمنى
أن يعود بي الزمان حيث الرجال والمراجل
لا إلى تقليد الشباب الفتيات
لاإلى من يستشور شعره ليل نهار
حبيت أوقف
لأني لوكملت ماراح أوقف
وفقت في طرحك
حبيت التنويه لمن أراد رأيت الماضي
فعليه بسلسلة ذكريات الشيخ الطنطاوي رحمه الله
قلم الظل
كل عام و أنت بألف خير يا أستاذ عوني,دمت ودامت لبنان حرة من عبث العابثين.
لا أدري ماحدث من تغيير لخطبة الجمعه حسب روايتك هل تغير الشيخ ام تغير المسجد,ترى عندنا من كان اماما فيما سبق اليوم يقف اخر المصلين,وبأمر من القادة الربانيين.
عوني، هل تفكر بكتابة رواية أدبية رصينة ؟
صراحة أرى أدواتك موجودة، فقط أنت بحاجة للقليل من التركيز (وربما الحب
) لتكون أديباً مبدعاً.
المقطوعة الأدبية أعلاه كانت جميلة ، وأتمنى في الحلقات القادمة أن تشحنها بالمزيد من الذكريات والحنين .
تحياتي .
اعجبتني تدويناتك
اشكرك اخي الكريم
بانتظار الأجزاء القادمة ..
مقال مميز جدا
حقاً حلت اللعنة ! ![]()
رائعٌ ماكتبتهُ هنا
للأسف كلامك صحيح، وهالشي مش بس بجبل لبنان، كمان بكل المناطق. أنا ساكن بأقصى الشمال في الضنية، وللأسف بطلت الضيعة اللي تربيت فيها بمعنى ضيعة، يعني الواحد بينزل شهر يكزر ويرتاح بضيعته وبلاقيها كل عجقة ومسبيت ومشكلين تلاتي كل أسبوع لأسباب تافهة وهيدي المشاكل حتى بين ناس في قربة دم بين بعضون. في بعض المناطق ما زالت محافظة على رونقها وجمالها الخارجي. مثل إهدن مزيارة وهالمناطق. ولكن الواحد بهمه منطقتوا للأسف لم تعد المكان لي بحلم أرجعله ومضي فيه بقية حياتي.
بانتظار جديدك
وبانتظار الجزء الثاني
الشوق إلى ذكريات الطفولة .. يفقدني الشعور بجمال الواقع .. ويجعلني أخشى المستقبل ..فهل هناك من يشاطرني المعاناة
تدوينة أكثر من رائعة!
وبما انني انتمي الى جزء من سفوح جبال لبنان الشرقية فلقد شعرت كانك تصف لي ضيعتي ![]()
كيف كانت و كيف صارت ..
حتى حديث جدتك ذكرني بحديث جدة والدتي قبيل وفاتها – رحم الله موتى المسلمين جميعا- ..
سانتقل للتدوينة التي تليها
يعطيك العافية عوني





مؤلم أن تتغير الحياة للأسوأ
متابعه يا أخي ما تكتب بإنتظار القادم