بات الفقر مجرما

إنسان قرر يوما أن يكون فقيرا و آخر فرض عليه الفقر، وبين هذا وذاك يعيش الأغنياء حياة مليئة بالرفاهية. هناك مشاهد نمر عليها في حياتنا فتعلق في أذهاننا فتصاحبنا إلى زمن بعيد– ربما إلى القبر. تلك المشاهد بالذات أتمنى دوما أن أحتفظ بصور و لقطات منها لكي أستذكرها لاحقا بشكل يسمح لي أن أعيشها مرة أخرى، ومن هنا جاءت هوايتي للتصوير الرقمي. اليوم المشاهد التي أتيت بها للأسف لم أصورها، وليتني إستطعت! لقد مضى على مصادفتي لها سنين. و هل هي مشاهد يتمنى الإنسان أن يحتفظ بصور منها؟ أترككم لإجابة عن السؤال.
المشهد الأول
نزلة يعقوبيان - شارع الحمرا - لبنان. كنت حينها أعمل لجريدة البلد، أجدد إشتراكات الناس فيها. إقتربت من المكان الذي أتوجه إليه لألمح من بعيد رجل عجوز يجلس إلى جانب مستوعب للنفايات. و كان يبحث عن شيىء بلهفة! لعله من هؤلاء الناس الذين يبحثون عن القطع الحديدية و النحاس ليعيدوها للمصانع فيؤجرون عليها، أو لعله … لكن لم أن لأتوقع أنه يبحث عن طعام، فاقتربت منه فإذا به قد وجد بقايا من قشر الليمون فأخذ يمصّها ويعتصرها بفمه مغمضا عينيه، كأنه للمرة الأولى يتذوق فاكهة لذيذة تدعى الليمون!

كلا، لست أنا من يتحمل مثل تلك المشاهد، وليست دمعتي أقوى من أن تصمد أمام هذا، فبالرغم من قساوة القلب التي إكتسبتها لاحقا كضرورة حياتية، كادت عظمة دماغي الطريّة - آنذاك - أن تتصدّع و كدت أبكي في الشارع! و هرعت إلى أقرب محل لبيع السندويشات و طلبت واحدة على الفور و عدت، و خلال خمس دقائق غبتها عن مسرح الفاجعة، كان الرجل قد اختفى!
المشهد الثاني
جسر الكولا - بيروت - لبنان. تحت الجسر مباشرة، كان يقطن رجل في الخمسينيات من عمره. رجل تحسدونه بكل تأكيد. لا يكاد هناك شارع في بيروت إلا و كان له فيه منزل خاص به. لكن قد تسألونني، و كيف يبني المرء بيتا تحت جسر تعجه السيارات؟ و بالفعل، لم يستطع بالنهاية أن يبني ذلك الرجل بيتا له هناك، وكانت تلك غلطته المميتة أن اختار ذلك المكان، فاضطر أن يضع فراشه في الهواء الطلق و السلام! و كان ذلك بيت أحلامه. كل يوم أمر بجانبه متجها إلى جامعتي، فأراه جالسا على الفراش و من حوله علب طعام، بعضها قد مضى عليها السنة، و زجاجات عصير و ماء مرمية هنا و هناك، و شراشف مطمورة في الوحل .. وفي يده سيجارة يدخّنها بشوق و حنين، يأخذ شهيقا عميقا حين يدخنها، و شعره الأبيض الأصفر يتدلى على خدّية و جسمه البدين، فتكاد تقول: أنشتاين قد بُعث من جديد بصورة رجل مسكين!

يا عم، ماذا تريد أن أجلب لك طعاما لتأكله؟ أريد سيجارة فقط. لماذا لا تسمح لنا بأن نساعدك للجوء إلى مأوى في مؤسسة خيرية ما؟ كل ما أريده هو السيجارة، فأنا “مبسوط” هنا… و هكذا ..
أين كان - أجلكم - يتبوّل أو يدخل الحمام؟ لا أستطيع أن أجزم الجواب، لكن الرائحة في محيط فراشه كانت أشبه برائحة المجارير. كيف ينام و السيارات تمر فوق الجسر و إلى جانبه ليل نهار؟ كيف و كيف و كيف؟ وفي يوم من الأيام مررت به أنا و صديقي و وجدنا رجله قد أصيبت بجراح بالغة، و كان شكلها مخيفا و مقرفا. إقترحنا على زملائنا و زميلاتنا في الصف أن نجمع مبلغ من المال و أن نجلب له الأدوية اللازمة. و لحسن الحظ، لا زلت أحتفظ بـ نسخة عن الإعلان الذي تم توزيعه على زملائنا في الصف آنذاك. و بالفعل جلبنا له الأدوية، و الحق أقول انه لم يكن سعيدا جدا بأن جرحه يتم تطبيبه، بل عاد بنا إلى دوامة السجائر، حتى كرّهنا بالعيشة التي نعيشها!

ما هي قصة ذلك الرجل؟ بالطبع إنه مريض جسديا و عقليا، و لا يمكن الوثوق بروايته عن نفسه كثيرا، لكنه إفتتح لنا سيرة حياته بأنه كان غنيا يعمل في أهم الفنادق في دول عربية كثيرة. و كان مدمن خمر و زير نساء و لاعب قمار، و بقدرة قادر خسر كل شيىء، فأردفته زوجته من المنزل و راح يتنقل من منزل إلى آخر (أي من شارع إلى شارع) إلى أن طلب من سائق التاكسي أن “يرميه” تحت جسر الكولا، بعد أن ضاق ذرعا بشارع كان يقطن فيه، لا أذكر إسمه بالتحديد. عُرض عليه أن ينام في مأوى لكنه رفض. هو نفسه لا يدري ماذا يريد و لا يعرف من أين أتى و إلى أين سيذهب.
إختفى الرجل منذ مدة! إما أنه إنتقل إلى شارع جديد، و إما إلى ربّه. و هكذا إنتهت قصتة، و كان ما فعلناه معه مجرد حس بشري تجاه إنسان خلقه الله تعالى في يوم من الأيام ليكون عزيزا.
و أكتفي بهذين المشهدين، و أعترف أن الحديث عنهما قد يحرك فيّ شعور الحزن و الكآبة، خاصة عندما أكتشف أن هناك أناسا هم إختاروا لأنفسهم هذا، بينما آخرون فُرض عليهم الفقر، و ما كان ذنبهم إلا أنهم عاشوا في مجتمعات يأكل فيها الغني الفقير!
إحتفظ بصفحة الخلاصــات لتتابع جديد التدوينات، أو إشترك بـ القائمة البريدية لمتابعتها عبر بريدك - [؟]
[ قرأها 188 ] [ أرسلها لصديقك ] [ نسخة للطباعة ]
3 تعليقات
قال لي مرة أن جمعيات خيرية كثيرة عرضت عليه المأوى لكنه رفض. أذيعت مرة حلقة تلفزونية خاصة عنه (تصوري!) لكن ظل الرجل مكانه لمدة طويلة بعد ذلك .. و الذي أستغربه حاليا هو إختفاءه من المكان. أتصور أحيانا كيف كان ينام، و السيارات تعج المكان ليل نهار، و هي لا تبعد عنه إلا بضع أمتار حين تمر فوق و إلى جانب الجسر!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصراحة مواضيع الدونه رائعة حقا ومليئة بالعبر
اما بالنسبة للفقر فاظن ان المشهد الثانى لا يعبر عن الفقر ولكنه احتمال يعبر عن معاقبة شخص لنفسه وهو ممكن ان يكون سبب رفضه لاى مساعدة وانما طلبه الوحيد الذى اراده هو طلب يعرف انه يتسبب بتدميره فهو لا يريد الحياة الكريمة ولا العلاج ولكن يريد سيجارة وده اكبر دليل على انه يريد معاقبة نفسه باذلالها لسيجارة او طلب يقضى عليه
كما ان الشهيق العميق للسيجارة هو اكبر دليل على مقدار الهم الذى يشعر به
ولا يمكن اجبار شخص كهذا على شيىء الا بعد ما يطلع منه ما فى جعبته وسر ماساته
اما بالنسبة للمشهد الاول
فاطمنك عندنا فى مصر مقولة مشهورة قوى ان الشحاتين واكلين نصف الدنيا واغنى الاغنياء والله اعلم بالصح
ولكن اظن ان احترام النفس والذات اكبر من الاحتياج للمال كما ان الحاجة لغير الله مذلة
فالفقر ما هو الا اختبار من المولى عز وجل لاختبار البشر على مدى المصابرة والصبر على البلاء
واظن ان دلوقتى ممكن نتغلب عليها لو فكرنا صح وكلنا ساندنا بعض مش كل واحد ونفسه
والسلام ختام
وبصراحة المدونه مليئة
لا حول ولا قوة إلا بالله …
طيب نحنا وقت منشوف هيك شخص منقول الحق علينا انو ما ساعدناه او ما قدمنا شي وهي انتو بتقدمولو مساعدة انو يكون بملجأ وبيرفضها .. يمكن يكون فقد عقله ومريض نفسي متل ما قلتوا بالإعلان !! هيك شخص يمكن لازم تخبروا عليه السلطات !؟ على الأقل ممكن يتحسن حتى لو بالاجبار
زعلني كتير انو عمرو خمسين يعني نسبياً صغير ويستطيع العمل !!