
لقد شاء القدر أن أكون على متن تلك السفينة حين أبحرت من ميناء ساوثمبتون، و لولا أن تذكرة سقطت من السماء حصلت عليها من مسافر عكف عن السفر، لما كنت ذهبت. أقف الأن في المكان نفسه الذي إنطلقنا منه عام 1912 .. كل شيىء حينها أوحى إلي أن الرحلة ستكون فريدة و لا مثيل لها. البحر أزرق هادىء كالجثة، و الغيم خجول قد إحمر وجهه مع غروب الشمس. إنها لوحة زيتية رائعة إكتملت مع مشهد تلك السفينة العملاقة التي رست على شاطىء مدينتنا. بدت لي وكأنها قاهرة للطبيعة، بل قاهرة لكل شيىء.
جن الليل، وكانت أول ليلة أقضيها على متن سفينة. عيناي أبت أن تنام و شراييني تنبض بالحياة كأنني إبن الثالثة و العشرين من جديد.
مكاني كان في الطبقات السفلى من السفينة، حيث ترتع الجراذ و براميل الكحول الرديئة والراقصات الإيرلنديات الجميلات. و بينما كان الجميع منهمكون في الحفلات التي كانت أشبه بمجالس تحضير الأرواح، وضعت عليّ معطفي و لفّيت نفسي بخمار من الصوف و صعدت على ظهر السفينة. كان المنظر مهيبا. البحر الأسود كأن له زئير و الهواء البارد القوي يكاد يقص السفينة نصفين. فتحت يديّ – أنا واقف في حافة مقدمة السفينة أشعر كأنني أول عصفور في العالم.
كنا قد مررنا على فرنسا و إيرلندا و في طريقنا إلى نيو يورك. نحن في اليوم الثاني من الرحلة و أكاد أستمتع بكل ثانية تمر، كأن الوقت أفيون يجري في دمي مجرى السحاب.

كانت ساعتي تشير إلى الحادية عشر ليلا. إتكأت على درابزين السفينة أتأمل البحر و ما وراءه. أكاد أرى أسماكا فيه تلهو و تلعب و أخرى كبيرة تأكل السمك الصغير. كان هناك بكاء شديد و ضحك و صراخ. وجّهت وجهي للسماء لأرى مشهدا أسطوريا. النجوم إجتمعت في أشكال رائعة. القمر أرسل أضواءه البيضاء المبهرة فسقطت على سطح البحر فاستحال صفيحة لؤلؤ. البرد قارص، و الجمال الخلاب و الشعور الملحمي هذا بدأ يخيفني.
حسنا لا أريدكم أن تستبقوا الأحداث، أعلم أنكم سمعتم عن سفينة التايتانيك لكنكم لم تكونوا على متنها و لا حتى تعرفون التفاصيل الصغيرة التي حدثت قبل الحادية عشر و الثلث من تلك الليلة. دعوني أكمل لكم ما حدث.
سمعت من الركاب في الأسفل أن الطريق التي نحن عليها مليئة بالجبال الجليدية. لم أخف، فسفينة كهذه لا يقهرها أي شيىء، لأنها صُنعت لتتحدى الطبيعة.
عدت إلى غرفتي أرتجف من شدة البرد. الساعة الآن الحادية عشر و 15 دقيقة. أنا في غرفتي أبدل ملابسي لكي أنام. ما إن أغمضت عيناي حتى سمعت دوي إنفجار أحدث زلزالا قويا في المكان أصاب منه الهلع عظامي، لكنني هدأت فورا. كلا كلا لن يصيب السفينة أي مكروه لأنها مضادة للكوارث. هكذا بدأت أقول لنفسي و هذا ما أخذ يردده الجميع. إنها سفينة مقدّسة. كيف .. إنها …
و شاع خبر أن السفينة قد أصيبت بتصدّع في مكان ما. إنها أخبار كاذبة. أعلم هذا. مستحيل أن تغرق. إنه تصدع بسيط يمكن حله بسهولة. دعونا نكمل سهرتنا بإطمئنان. و عند منتصف الليل تسربت أخبار من الأعلى أن السفينة ستغرق، فليتجه الجميع إلى زوارق الإنقاذ.

أبى الجميع أن يتحرك من مكانه. إنها محض أساطير و السفينة لا و لن تغرق. و شعرنا بانحناء بسيط في مستوى السفينة. إنه مجرد إنحناء بسيط جدا. ليس هناك خوف على السفينة، فليبق الجميع في مكانه. دعوني أصعد و آتي لكم بالأخبار.
تسلقت السلالم و جمّعت كل الأخبار و أوراق بيانية من المقربين لطاقم السفينة. لقد كانت كلها أخبار غير دقيقة و ملفّقة. أحرقت الأوراق و ما هي إلا دقيقتين حتى إحتشد الجميع على ظهر السفينة فلم أعد قادرا على النزول إلى غرفتي. و علا الصراخ، صراخي، أنزلوني أنزلوني، أريد أن أعود إلى غرفتي، إلى أصدقائي. و انهمرت عليّ أيد و عصيّ من أفراد الأمن يقولون أمجنون أنت؟ السفينة تغرق أيها المعتوه. مستحيل! هذا هراء. هذه السفينة لا تغرق. لقد صممت لتتحدى الطبيعة.
و راحت تميل أكثر فأكثر حتى فقدت توازني. راح يتقاذفني الناس و هم يتزحلقون على سطحها. أيها الحمقى ماذا تظنون أنفسهم فاعلين؟ لن أغادر السفينة و سترون! و بينما أنا أصرخ بهم، إذا برجل سكران مخبول يدفعني من على حافة السفينة لأسقط في قارب النجاة و لم أذكر بعدها ما الذي حدث.

في اليوم التالي إستيقظت في المستشفى. كيف جئت إلى هنا؟ وجدت صحيفة نيو يورك تايمز بجانبي. فتحتها لأرى فاجعة لم أتوقعها. إذا بها قد عنونت إفتتاحيتها بخبر غرق سفينة التايتانيك، و كانت تلك أكبر كذبة أشهدها في حياتي.
جون أف. وايلد
1971
انا احب البحر كثيرا ولكن قصه التيتنك جعلتنى احبه واخشاه فى ان واحد
أخلا بك أختي مريم أود أن أخبرك أن القصة هذه كنت قد بدأت بكتابتها قبل رحلتي لمصر. بالنسبة للأحداث، فقد إطلعت على تفاصيل الرحلة التي قامت بها التايتانيك، و فبركتها قليلا عندما أتيت للحديث عن المدعو جون. أف. وايلد. و أترك لك حرية التأويل كيفما شئتي.
السلام عليكم .. ادراجك اخ عونى خاصة وفى هذا الوقت- وبعد عودتكم من مصرنا العزيزه – اختيار موفق من وجهة نظرى ، وقد لا يكون ذلك مقصودا ولكن بقراءتى اياه شعرت ان هناك رابط ما بهذه الرحله .
بدأت الحديث وكانك بالفعل تصف ما جرى وما عرفناه وما تكرر على عقولنا من احداث هذه الليله . ولكن سرعان ما وجدت نفسى امام مشهد آخر خاصة عند وصولك لهذه النقطه ( كلا كلا لن يصيب السفينة أي مكروه لأنها مضادة للكوارث. هكذا بدأت أقول لنفسي و هذا ما أخذ يردده الجميع. إنها سفينة مقدّسة. إنها محروسة. إنها …………………الى اخره)
المشهد وكأنك تصف حال امتنا العربيه وحال بلدانا العربيه فى نظرنا . هذا ما نقوله عنها ولكن ما الذى نفعله ليكون الامر كذلك .
وايضا هناك مشهد آخر رايته …. عندما قلت ( أنزلوني أنزلوني، أريد أن أعود إلى غرفتي، إلى أصدقائي. و انهمرت عليّ أيد و عصيّ من أفراد الأمن يقولون أمجنون أنت؟ السفينة تغرق أيها المعتوه. مستحيل! هذا هراء. هذه السفينة لا تغرق و لن تغرق. لقد صممت لتتحدى الطبيعة……….. الى اخره) كانه صوت عربى ما ناجح فى بلاد المهجر يرى ما يحدث فى بلاده وفى لحظة يقظه فكريه قرر العوده ليفيد بلاده بما توصل اليه ولكن هذه الايدى تتطاول عليه لتمنعه من العوده
لا ادرى قد اكون مخطاه ولكن هذا ما رأيته
واصل الابداعات ………فى امان الله
أهلا بك فرح. ما قلتيه صحيح و هو زبدة القول الذي كنت أحاول إيصاله للقارىء. أود أن أنوه أن القصة من نسج خيالي و ليس هناك شخص إسمه جون أف. وايلد، بل هو شخصية خيالية إستخدمتها لكي أمزج بين القصة الحقيقية و بين خيالي …
مرورك على الموضوع شرفني و تعلقيك أسعدني ..
بالفعل عوني … عندما ارى فلم التيتانك كثيراً ما تأخذني الأفكار بعيداً عن جاك و روز (على ما اذكر)واللذان ركز عليهما الفلم بشكل اساسي جداً
كان هناك الكثير من الاشخاص والبشر والامم على متن تلك السفينة … لعلهم أجدر بالحديث عنهم
لكن هل سيصدق الجميع بعد هذه الحادثة انه لا يوجد شيئ لا يقهر وهو من صنع الانسان ام مازالو يسعون الى ذلك بوضع الاحتمالات ؟
شكراً على التوثيق بالصور … وشكراً لك .. دمت كما تحب