[ق. ق.] معركة رغيف الخبز


لقد خبزته وعجنته بيديّ. أهدي هذا الرغيف الساخن إلى كل فقير لا يجد لقمة عيشه. ما كنت لأمتهن صناعة الخبز لولا أنني وجدت “ثقافة رغيف الخبز” منتشرة في كل مكان. أما رغيف اليوم فأخرجه الآن من الفرن بمناسبة الحصار الأليم الذي يُفرض على الإخوة الفلسطينيين في قطاع غزة.

واقف في طابور طويل منذ الصباح والشمس تكاد تشوي رؤوس من تحتها. العرق قد أغرقنا و صوت الدنانير في أياد الناس يصرع الآذان و أنا لم أعد قادرا على رفع رأسي. كل من يحاول أن يتخطى الطابور سأقتله. سمعت صوتا آت من الأمام يقول “كلكم ستأخذون حصتكم”. تبا لك أيها الكذاب. نظرت إلى ساعة يدي التي بدا لي أنها متوقفة فقلت “هل سيبقى الوضع على ما هو عليه؟” مرت حوالي نصف الساعة، كنت قد تقدمتُ فيها أمتارا معدودة. بدأ الجميع بالصراخ. علا صوت الأذان من مسجد قريب. لم أعهد إزعاجا كهذا من قبل، و لو أنه كان طابور ماعز لكانت أصبر و أحلم. تبا للماعز، تبا لكل شيىء! ضغطت على أسناني و بلعت ريقي و بقيّة أعصابي قد استُنزفت جراء العطش. سألت من أمامي عن ماء أشربه فقال “أغرب عن وجهي.” صدقوني، كدت أقتله حينها لولا أن جسمي لم يعد فيه طاقة. نظرتُ إلى الوراء، رأيت صفا طويلا يكاد يصل إلى آخر الشارع. نظرت إلى الأمام ثم نفخت هواءا سامّا من فمي. الجحيم لكم!

إزدحم الناس أكثر فتوقفت حركة السير في الشارع. نزل الجميع من سياراتهم و اختلط من هم بالطابور مع من هم في الشارع. ما هي إلا دقائق معدودة حتى إشتبك الفريقان. إرتفعت عصيّ خشبية و قضبان حديدية و شظايا زجاج في الهواء. إنضمت نبابيت الشرطة للمعركة. بسرعة البرق خفضتُ رأسي و هرععت لأختبىء في دكان مجاور. حاولت أن أتسلل من مكان ما لآخذ حصتي، لكن العراك بالعصيّ ما لبث أن تحول إلى حرب بالرصاص. أصوات بكاء و حجارة تتكسر و صراخ أطفال و أمهات و عجائز إختلطت بأصوات المتعاركين وأصوات أبواق السيارات. رحتُ أسترق النظر و قلبي ينتفض من خلف حائط داخل الدكان. لفت إنتباهي مشهد رجل عجوز في يده ربطة خبز يقتحم الأفراد بصعوبة و يصرخ فيهم بكل قواه “لقد نفد الخبز. لقد نفد الخبز. أوقفوا العراك. على ما–” لم يكمل جملته حتى رأيته بأم عيني يسقط على الأرض جثة ميتة و قد سُلبت منه كل أغراضه. لم أستطع أن أتمالك نفسي. رحت أحطم كل ما في الدكان و أصرخ عاليا “سأقتل ذلك الخبّاز. سأقتلكم جميعا.”

الخلاصاتإحتفظ بصفحة الخلاصــات لتتابع جديد التدوينات، أو إشترك بـ القائمة البريدية لمتابعتها عبر بريدك - [؟]

[كلمات مفتاحية] , , , , [التصنيف] أدبيات
[ قرأها 227 ]  [ أرسلها لصديقك ] [ نسخة للطباعة ]

3 تعليقات


أخي الحبيب عوني
أسعد الله أوقاتك
كثيرون هم الذين يحاولون أن يفلسفوا الأشياء ، وأن يقلبوا الحقائق لتخدم نظرية يحاولون أن يجعلوها هي أصل القوانين
وهي ليست كذلك
بينما كنت أنت أكثر موضوعية لذا أصبت من وجهة نظري كبد الحقيقة
نعم جاع أهل غزة
وخرجوا إلى مصر على خطى أبناء يعقوب جوعى
ولهذا أهديك ما كتبت في هذه المناسبة وإن كنت كما قالت لي الأديبة الفلسطينية كفا خضر : رسمت صورة جميلة لواقع ليس كذلك:

موسم العبور إلى مصر
__________________

في العام السابع
من سنوات الجدب
جئنا ببضاعة مزجاة
(فنحن نعرف الطريق إلى مصر
كما يعرف الوليد سبيله إلى ثدي أمه)
ونحن نحلم بالعزيز
الذي يضع السقاية
في رحل أخيه
فإذا أذن المؤذن
فهم وحدهم السارقون
وأما أنت فلم تسرق
وأخوك كذلك لم يسرق
وله في عنق الآخر دين أكبر
مذ حمِل القوم أوزارا من ذهب أخيك
حتى عام النكسة
…..
هو لك
و الأمن المرصوص أمام جدار الأحباب
مجرد رمز للدولة
هم منك كذلك
لا توجل
خذ منه ولن يسألك لماذا جئت
يا هذا
يا من تأنف أن تأتي الأحباب ذليلا
يا من أوصد من دونك أبواب الأسواق و أقيمت جدران العزلة
أنت
أخوك عزيز القوم
تعود إليه
وقت تشاء
فتمير الأهل وتبقي الود وتزداد كيل بعير

وأبوك
سيرتد بصيرا

خذ منه قميصا

لكن يا من أحببت أخاك
جد عذرا لأخيك

فلا تتمادى

27/01/2008
أرجو أن تعجبك
ولك التحية
وللبنان السلام و الأمن إن شاء الله
__________________
نزار الوحيدي

——————————————————————————–

أستاذي العزيز نزار، لقد سعدت بتعليقك واستمتعت بقراءة الخاطرة التي أعتقد أن كاتبتها الأديبة كفا الخضر؟

لكنني أخشى أن الخاطرة قد تكون فُهمت بشكل خاطىء. نعم لقد كتبتها بمناسبة الحصار على غزة و لكنني لم أكن أتكلم عن الفلسطينيين فيها، بل عن العرب و المسلمين!

معركة العرب - كطبقة حاكمة - أصبحت على رغيف الخبز. كل تفكيرنا إنحصر بالأكل و الشرب و اشباع رغباتنا، و لست أشمل هنا بل أتكلم عن المعنيين بالأمر، و كل ذلك مجسد بالرغيف. الرجل الذي وقف في نهاية الخاطرة يصرخ “سأقتلكم جميعا” هو نموذج عن سياسات عربية. فالقارىء يتوقع أن ما جعل ذلك الرجل لا يتمالك نفسه هو موت ذلك الشخص الذي اقتحم الأفراد و راح يصرخ فيهم “لقد نفد الخبز …” لكن الفاجعة تظهر عندما نكتشف أن ردة فعله هذه ناتجة عن ما قاله ذلك الشخص و ليس عن مصيره التي آل إليه ..

بإختصار، نفسي نفسي .. الجميع في تلك المعركة لا يتطلع إلا إلى نفسه. لا يهمه من يموت و من يحيى، أو من سيأكل و من لن يأكل، إنما المهم أن يحصل على حصته بأي ثمن، و لو على حساب أرواح الجميع!

أعتقد أن الصورة الآن إختلفت كثيرا : )

للتصحيح فقط أخي عوني
أنا من كتب هذه القصيدة النثرية إن جاز التعبير
ولكن أختنا كفا علقت عليها في منتدى أقلام
و الذي كان قد أسسه الأخ والصديق المهندس سامر هشام سكيك
لذا إقتضى التنويه
أما بقية القصة
فالخير و الشر في صراع
و صراعنا فيه أيضا الخير والشر
سواء على الصعيد المحلي أو على طريق التحرر
ولك الحب والتقدير

شارك بتعليقك على التدوينة