[خاطرة] المتسوّلة
غلّقت الأبواب. قالت و السمّ يتقاطر من شفتيها بلون العسل كلمات إهتزّت إثرها جدران الغرفة: “إشتقتُ إليك و إلى أنفاسك ترعى في جسدي الخصب، إلى شعرك ينبت فوق خدي، إلى أنفك يشم رائحة عرقي في المعارك، إلى لسانك يسيل لعابه على شفتيّ، إلى أناملك تغوص في أحشاء قلبي. تعال نرسم معا لوحة العُهر، و نقترفُ المجازر و الحماقات بحق بعضنا البعض، ونُشعلُ النار المقدسة في الأماكن المقدسة، و نغرق في الخمر حتى يسكر الفراش.”
- حمقاء!
وقفت أمامي مذهولة، كأنني الموتُ الحق. إتّسعَتْ عيناها و برقتا. ضَحِكتْ حتى بان البدرُ في وجهها ثم عَبَستْ. إرتبكتْ. بدتْ مضطربة كمدمن مخدرات وجد كومة من الأفيون بعد توبة نصوحة، مُحبطة كخروف عاقِلٍ في يوم عيد، حقيرة كعاهرة تتسوّل الجنس على الرصيف، عارية كما ولدتها أمّها.
إنبعثتْ رائحةٌ نتنة من مكان ما. قالت و قد بَلعتْ ريقَهَا: “هلُمّ إليّ. ما بك جاف كصحراء إفريقيا؟ هيا يا حبيبي إذبحني بيديك! تحرك!” سكتتْ هنيهة ثم بلعت ريقعها مرة ثانية فيما يُشبه الإختناق. ساد المكان صمتٌ عميق و توقّف الوقت بُرهة.
- عجيبٌ حالكِ، كبُركان ثار في يوم ماطر!
تَصَاعدَ دخانٌ أسود عطّر الجو برائحة الفحم و بدأ نور الغرفة يخفت. حاوَلَتْ أن تقترب منّي مجدّدا. راحتْ تلوّن نبرة صوتها و تُكثر من حركاتها كالحسون الذي ضاق به قفصه. ثم فجأة، تقاعصتْ واستسلمتْ. إنسحبتْ إلى الوراء وانكمشتْ على نفسها في زاوية الغرفة كقطعة لحم حقيرة تعالت على أكلها الكلاب الضالّة. شهقتْ و سال من عينيها سائل كالأسيد أذاب أحاسيسها المتعفّنة.
نظرتُ إليها و غبار الشهوة كاد يحجب عني الرؤية، لولا رأيتُ برهان ربّي. حوّلتُ وجهي إلى نافذة مفتوحة إلى يميني و أمعنتُ النظر في الشمس التي عانقت البحر، و الغيوم التي إحمرّ وجهها من شدة الخجل عندما غازلها قَمَرُ المساء. أخذتُ أحدّق في الأشجار العارية كيف راح الهواء يعربدُ بأوراقها المبدّدة على فراش من تراب. هنالك شعرتُ بالنشوة. إبتسمتُ مغمضا عينيّ، و ما هي إلا دقائق حتى فتحتُ عينيّ و نظرتُ إليها مجددا -كان الضباب الكثيف الأسود قد خَنَقَ الغرفة- فوجدتُها جثة هامِدَة مُتفَحِّمة. إنبَثَقتْ من أعماق ذاكرتي المبعثَرَة كلماتٌ تغلغلت ببطىء شديد في شرايين قلبي الذي ارتعش و تسارَعَتْ دقّاتهُ: يُوسُفُ، أيُّها الصِّدِّيقُ.
[ قرأها 179 ] [ نسخة للطباعة ]
4 تعليقات
السلام عليكم
ان الاخ احمد الخطيب لم ينتبه الى الكلمتين الاخيرتين
قصة مشوقة ولكنها تخدع قارءها لاول مرة
nice and very nice عقييييييييييييييييييد
الخاطرة جيدة وبحاجة الى بعض التعديلات لتصير ممتازة.
1- عليك التخفيف من الصور الشعرية المتتابعة والتي لا تضيف شيئاً الى فكرتك بل تكرر نفسها، وتظهرك وكأنك تستعرض عضلاتك البلاغية، (هذا أمر يمرّ به كلّ الكتاب وهو طبيعي.. يكونون انشائيين ومفرطين في الشعرية وأنا مررت به ثم تخلصت منه بعد نصائح من كبار الكتّاب والأدباء)
2- لا تستعمل العبارات المباشرة فهي تقتل المخيلة والابداع.. مثلاً لماذا تقول “تعال نرسم لوحة العهر” بينما أنت رسمتها، وكلمة العهر تدني من شأن فكرتك لأنها مباشرة جداً، كذلك العنوان لو كنت مكانك لاخترت فقط : المتسولة.
3- احذف كل كلمة لا تضيف جديداً، كل كلمة ترى أن النصّ لن يختلّ اذا حذفتها: الحشو عدو الابداع
4- قلل من التشابيه فهي موجودة بكثرة في الجملة الواحدة ،مثلاً :انظر كم كاف تشبيه لديك في هذا المقطع:
وقفت أمامي مذهولة، كأنني الموتُ الحق. إتّسعَتْ عيناها و برقت. ضَحِكتْ حتى بان البدرُ في وجهها ثم عَبَستْ. إرتبكتْ. بدتْ مضطربة كمدمن مخدرات وجد كومة من الأفيون بعد توبة نصوحة، مُحبطة كخروف ذكيّ في يوم عيد، رخيصة كعاهرة تتسوّل الجنس على الرصيف، عارية كما ولدتها أمّها.
6- لا تكثر من استخدام العبارات المستهلكة والتي تجدها في مئات النصوص وصارت كليشيهات غير مستحبة: عارية كما ولدتها أمها -
كعصفور ضاق به قفصه..
7- انتبه للسهو اللغوي والمطبعي:
تعال (تعالت) على أكلها الكلاب الضالّة. …
إتّسعَتْ عيناها و برقت .(وبرقتا)ووو
الذي داق (ضاق) به قفصه
تساؤلات شخصية على الهامش:
لماذا وصفت أحاسيسها بالمتعفنة؟
عاهرات الأرصفة لا يتسولن الجنس.. انهن لا يمضين خلف شهواتهن، بل خلف المال .. انهن يبعن الشهوة للآخرين. وأنا شخصيا لا أحتقرهن بل أشفق عليهن وأعتبرهن ضحايا الفساد الاجتماعي ، انهن بائسات جداً
لم أتعاطف مع بطلك القدّيس
@ أحمد الخطيب: لقد أضحكتني يا رجل! ماذا تريدني أن أكتب، سيستعصي على قلمي أن يصوّر بطولات السيد حسين
@ محمد الغوش: و عليكم السلام عقيد، يسرني أنك مررت من هنا.
@ بسمة: شكرا بسمة على النصائح المهمة جدا. سأستند عليها إن شاء الله في المستقبل في كتاباتي. لقد قمتُ بتصحيح الأخطاء الإملائية.
كنت أنوي أن أرسل لك قصة قصيرة لكي تطلعي عليها ولكنني مزقتها بعد أن إنتهيت منها لحاجة في نفس يعقوب (لا أدري إن كنتِ يوما من عشاق تمزيق الأوراق). لذلك إخترت الخاطرة التي أرسلتها لك و التي مضى على كتابتها أكثر من عام و نصف.
الملاحظات التي أبديتيها أوافقك عليها تماما. قد تستغربين
.: لقد سعدتُ بسماع رأيك :.
أتمنى لو أن سفري سيكون بعد بدء معرض الكتاب في بيروت -يبدو كذلك- لأنني بحاجة لقراءة الكثير من المخزون الأدبي العربي.
أتمنى لكِ التوفيق.
هل هذه كتابتك يا عوني - ؟
لديك الكثير من الصور الجميلة و الحديثة التي و ان دلت فإنها تدل على مخيلتك الجميلة -
اريدك ان تكتبك قصة اخرى مع تغيير بسيط و هو ان البطل ليس عوني الشاب المهذب و المؤمن انما حسين المتعطش للجنس و الرذيلة
اني ارى ابتسامتك الان - اعتني بنفسك